عبد الرحمن بن عبيد الله السقاف

568

إدام القوت في ذكر بلدان حضرموت

وقد بناها آل جميل السّعديّون بمساعدة آل يمانيّ وآل أحمد والصّبرات ، وآل ثعلب ، وصاحب مريمه ، وبعض آل كثير ، وكان هؤلاء اتّفقوا في سنة ( 845 ه ) للقضاء على الدّولة الكثيريّة ، وحاصروا الحصن الّذي بنته في الغرفة شهرين ، فانتهز تلك الفرصة آل جميل وابتنوا قرية جفل بمساعدة أولئك « 1 » ، وكان ذلك في أيّام السّلطان عبد اللّه بن عليّ الكثيريّ « 2 » ، المتوفّى سنة ( 850 ه ) . وقال الشّيخ محمّد بن عمر باجمال في كتابه « مقال النّاصحين » : ( حكي أنّ السّلطان عبد اللّه بن عليّ حاصر بني سعد بقرية جفل في رمضان ، فناداه أحدهم وقال له : أهذه صدقتك ؟ ! ، فارتحل عنهم . ويحكى : أنّه أهدى فرسا لفاضل بالكروس السّعدي ، ولما أراد اللّحوق بأصحابه وهم حرب للسّلطان . . ردّ فرسه ، وقال : حاشا للّه أن أستعين عليه بفرسه ) . وقد ذكرت لهذه أمثالا كثيرة في « بلابل التّغريد » تستخرج التّرحّم على أهل الوفاء من أعماق القلوب ، وصوادق الألسنة . وعلى ضدّها ما جاء في الثّورة العربيّة : أنّ الشّريف فيصل بن الحسين تسلّم عشرات ألوف الدّنانير من الأتراك في اللّيلة الّتي أعلن حربه عليهم من صبيحتها . وإنّي لأعجب ممّن يسمّى : الحسين المنقذ . . بعد ما شاع أنّه أخذ المسلمات من نساء الأتراك وهنّ متعلّقات بأستار الكعبة ، وسلّمهنّ في جملة الأسرى للإنكليز مجرّدات « 3 » ، مع أنّ الدّولة العثمانيّة هي الّتي ربّت شحم كلاه . أقول هذا لا عن تعصّب ، بل لو كانت بي محاباة . . لحابيته ؛ إذ لم يكتب لأحد بحضرموت غيري بنبأ تلك النّهضة المشؤومة ، ولكنّ الدّين فوق كلّ عاطفة ، ولئن

--> ( 1 ) « تاريخ شنبل » ( 177 ) . ( 2 ) السلطان عبد اللّه بن علي بن عمر بن جعفر بن بدر الكثيري ، تولى حكم حضرموت من سنة ( 825 ه ) تقريبا إلى وفاته بعيد سنة ( 850 ه ) ، « تاريخ الدولة الكثيرية » : ( 20 - 22 ) . ( 3 ) ولقد كوفىء على فعله هذا بأن سجنته حكومة الإنكليز بجزيرة قبرص ، ومات فقيرا جائعا شريدا طريدا ؛ مصداقية حديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « من أعان ظالما على ظلمه . . سلطه اللّه عليه » .